العلامة المجلسي
16
بحار الأنوار
ذلك هول المطلع ، وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " . ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا ، وأعد منكم عديدا ، وأكثف جنودا ( 1 ) وأشد منكم عتودا ، تعبدوا الدنيا أي تعبد ، وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا عنها بالصغار . فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب ، بل قد أوهنتهم بالقوارع ( 2 ) وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ، وأعانت عليهم ريب المنون ( 3 ) فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها ، حتى ظعنوا عنها لفراق أمد إلى آخر المستند ، هل أحلتهم إلا الضنك ؟ أو زودتهم إلا التعب ؟ أو نورت لهم إلا الظلم ، أو أعقبتهم إلا النار ، فهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون ؟ إلى هذه تطمئنون ؟ يقول الله جل من قائل : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " ( 4 ) . فبئست الدار لمن لا يتهمها وإن لم يكن فيها على وجل منها ، إعلموا وأنتم لا تعلمون أنكم تاركوها لابد ( 5 ) فإنما هي كما نعتها الله تعالى " لهو ولعب " واتعظوا
--> ( 1 ) أي أكثر جنودا . ( 2 ) القوارع جمع القارعة وهي الداهية . ( 3 ) أي سلطته عليهم وريب المنون : صروف الدهر . ( 4 ) هود : 18 و 19 . ( 5 ) لعل العلم المأمور به هو اليقين المستتبع وهو العمل أي أيقنوا بأنكم ستتركونها وترتحلون عنها وأنتم تعلمون ذلك لكن علما لا يترتب عليه الأثر . ويحتمل أن يكون المعنى اعلموا ذلك وأنتم من أهل العلم وشأنكم المعرفة وتمييز الخير من الشر . ( 6 ) أي يبنون بكل مكان مرتفع علما للمارة للعبث بمن يمر عليهم أو قصورا يفتخرون بها ، والمصانع جمع المصنع : مأخذ الماء ، وقيل قصور مشيدة وحصونا .